تتعرض أُسر المفقودين إلى صدمات متتالية طوال فترة انتظارها لمعرفة مصير مفقوديها، صدمات تتكرر ما دامت لا تعرف يقينًا إن كان عليها أن تدخل في الحداد وتطوي صفحة العزيز المفقود بموته، أو تواصل ترقبها عسى أن يعود يومًا ما. فكل ما يتصل بالمفقود يعيد فتق جرح لا يندمل، جرح بقي مفتوحًا، ويمكن لأي خبر أو فعل أو لمسة بسيطة أن تؤلمه. فتؤلمه في كل مرة عمليات التوثيق المتكررة لحادثة الخطف أو الاعتقال، وتؤلمه عمليات البحث والاستفسار عن مصيره، وتؤلمه التغيرات في خرائط السيطرة السياسية والعسكرية والأمنية، ويؤلمه نشر أخبار وصور وأسماء المفقودين عند كل تغير من هذه التغيرات، ويؤلمه التنكر والنسيان واللامبالاة من جانب الهيئات الرسمية والمجتمعية، ويؤلم هذه الأُسر عجزها وقلة حيلتها وهوانها. فأُسرة المفقود تبقى ضعيفة أمام كل ما يتعلق بالعزيز المفقود ما دامت غير مُتيقنة من مصيره، ما دامت لم تطمئن إلى وجوده حيًا في مكان ما مع إمكان الاتصال والتواصل معه، وما دامت لم تتحقق من موته واستلام جثمانه ودفنه دفنًا لائقًا. 

ومن بين أُسر المفقودين في سورية، تجدُ أُسر المفقودين على يد تنظيم داعش نفسها في دوامة آلام متكررة منذ ثلاثة عشر عامًا. فهذه الأُسر تعرضت أكثر من غيرها للصدمات المتولدة عن التغيرات في خرائط السيطرة وما يرافقها من ضخ إعلامي مستهتر وغير مسؤول من عدد من الجهات والأفراد الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، مل فيسبوك وتويتر وغيرها. فخرائط السيطرة تبدلت للمرة الأولى بعد دحر تنظيم داعش عن مناطق سيطرته السابقة بين العام 2015 و2017؛ ثم تغيرت ثانية بعد القضاء على آخر معاقل تنظيم داعش في الباغوز بالعام 2019؛ ثم مرة ثالثة بعد دحر ميليشيا قسد في مطلع العام 2026 عن مناطق سيطرتها السابقة في الرقة والدير والحسكة، ثم مرة رابعة بعد نقل قوات التحالف الدولي سجناء من تنظيم داعش إلى العراق. هذه المرة الرابعة لها وضع خاص جدًا لأن  أسر بعض المفقودين على يد تنظيم داعش تعتقد أن ميليشيا قسد وضعت أحبتها المفقودين بين سجناء داعش لأسباب انتقامية وكيدية، في حين تعتقد مجموعة أخرى من الأُسر أن أحبتها لا يزالون معتقلين في السجون التي لا تزال تديرها قسد في محافظة الحسكة.

ومع كل تغير في قوى السيطرة تنشط وسائل التواصل الاجتماعي في نشر أخبار المعتقلين والمفقودين، وخاصة الصفحات المحلية على تطبيق فيسبوك الأكثر استخدامًا وانتشارًا بين السوريين. 

هذا ما حدث قبل بضعة أيام، حين غصت صفحات الفيسبوك في دير الزور والرقة والحسكة بوجه خاص بقوائم تحمل أسماء معتقلين لدى ميليشيا قسد مخلوطة بأسماء عناصر تنظيم داعش المُرحلين إلى العراق. عمليات النشر هذه تزامنت مع قطع مرحلة جديدة في دمج عناصر ميليشيا قسد في الجيش السوري، وتسمية مصطفى خليل عبدي (المعرف باسمه الحركي مظلوم عبدي) مستشارًا لرئيس الجمهورية، وتزامنت أيضًا مع إعلان السلطات العراقية انتهاء مرحلة التحقيقات مع عناصر داعش المُرحلين إلى العراق وبدء المرحلة القضائية، أي مرحلة المحاكمات.  

 فقد نشرت هذه الصفحات قوائم بأسماء المعتقلين والمفقودين على أنهم مؤهلين للإفراج عنهم، أو على أنهم سيخرجون قريبًا، دون أن يكون كلامهم هذا صحيحًا، ودون أي إحساس أو مراعاة لأحوال أُسر المفقودين النفسية عند قراءة هذه الأخبار والتكهنات، ودون تحرٍ للدقة في مصادر هذه القوائم أو في معرفة أسباب تسريبها في هذه الأوقات بالذات. ويبدو أن أصحاب هذه الصفحات لم يسألوا أنفسهم: من أين أتت هذه القوائم؟ من جمع هذه الأسماء وكيف ولماذا؟ ومن لديه، أصلًا، القدرة على جمع هذه الأسماء؟ ولماذا ينشرها الآن؟ يجب على كل من ينشر هذه القوائم أن يسأل نفسه كل هذه الأسئلة قبل أن ينشر ويتسبب في إيذاء العائلات التي تتنشق أخبار أحبتها.

ألم يلاحظ أصحاب هذه الصفحات أن هذه القوائم لا تحمل أختام أو تواقيع أي جهة رسمية لا في العراق ولا في سورية؟ ألم يلاحظوا أن هذه القوائم تورد خليطًا من أسماء منتسبي داعش إلى جانب معتقلين اعتقلتهم قسد بعد تحرير الرقة من سيطرة قسد؟ ألم يلاحظوا وجود أسماء لمعتقلين اعتقلتهم قسد بعد هبة ريف دير الزور في وجه قسد بصيف العام 2023؟ ألم يلاحظوا وجود أسماء لمختطفين على يد تنظيم داعش منذ أكثر من 12 سنة مثلًا؟ ألم يُلاحظوا وجود أسماء دون أي تفاصيل أخرى عن الجنسية أو مكان التولد أو اسم الأب أو أسم الأم؟ فكيف يفسرون هذا الخليط؟

الأرجح أن أصحاب ومديري هذه الصفحات لم يفكروا في هذه الأسئلة ولا في غيرها؛ إما لأنهم ينفذون أجندات تستهدف تشتيت الرأي العام عن مسائل أخرى عبر إلهائه بملف المفقودين الحارق والمؤلم، أو لأنهم لا يدركون حجم الضرر الذي يلحقونه بأسر المفقودين والمُعتقلين. وفي الحالتين هم لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا سبب هذا الخليط من الأسماء الذي لا يمكن تفسيره على أساس حسن النية أو العمل الإعلامي. كل ما يريدونه ويفعلونه أن ينشروا وأن يحصلوا على المزيد من المتابعات، حتى لو جاءت من فعل لا أخلاقي ولا يحترم مشاعر المكلومين وحقوقهم.

هذا النشر غير المسؤول والآثم يجب أن يخضع للفحص والتحقيق والترشيد من قبل السلطات التنفيذية. والأذى الذي يُسببه النشر العشوائي يجب أن يُرصد ويُمنع من قبل الجهات الرسمية في سورية. ولذلك يجب أن تتحرك الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وتخاطب المؤسسات التنفيذية في وزارة الداخلية والعدل والإعلام كي تُخضع النشر في قضايا المعتقلين والمفقودين للمعايير القانونية والمهنية والأخلاقية الواجبة في مثل هذه الظروف.