في سورية،تجد أُسر المفقودين نفسها أمام حالة غير مسبوقة تاريخيًا تتمثل في كثرة وتنوع الهيئات والأجسام الوطنية والأممية والدولية، ذات الصلة بقضية المفقودين، وبمسارات العدالة الانتقالية. لدينا اليوم هيئتان وطنيتان هما “الهيئة الوطنية للمفقودين” و”الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” المُنشأتان بموجب المرسومين 19 و20 للعام 2025. ولدينا أيضًا ثلاث آليات أو مؤسسات أنشأتها الأمم المتحدة: “لجنة التحقيق الدولية” المُنشأة منذ العام 2011، و”الآلية الدولية المستقلة والمحايدة المُنشأة في العام “2016، ثم “المؤسسة الدولية المعنية بالمفقودين” المنشأة في العام 2023. ويُضاف إلى ما سبق “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” و”اللجنة الدولية للمفقودين ICMP”، بإضافة إلى عدد من المنظمات القانونية والحقوقية الدولية والعشرات من منظمات المجتمع المدني السورية.

وعند التفكير في قضية المفقودين في سورية بوجه خاص، تبرز أسئلة كثيرة وكبيرة تحتاج إلى إجابات صريحة وشفافة وشُجاعة. وإجابات هذه الأسئلة ستُساعد في فهم التعقيدات الحاصلة حاليًا بالنظر إلى هذا التعدد في الهيئات والمؤسسات، وستُساعد أيضًا في بدء العمل، بأقرب وقت ممكن، من أجل كشف الحقائق،  وتوفير إجابات عن مصائر المفقودين وأماكن تواجدهم؛ إجابات تنتظرها عشرات الآلاف من الأُسر السورية اليوم. سنحاول أن نجيب على بضعة أسئلة من حين لآخر وكلما توفرت معطيات أو حدثت تغيرات تستوجب إعادة النظر في قضية المفقودين بضوئها. وهذه دفعة من سؤالين مع إجابتيهما تشكلا خلال اللقاءات البينية المُستمرة بين أُسر المفقودين لدى تنظيم داعش والنقاشات التي تثيرها المتغيرات ذات الصلة بقضية المفقودين عامة.

أول هذه الأسئلة:

هل كثرة الفاعلين هذه أمر حميد ومفيد بحد ذاته؟ أم هي عقبة أمام عمليات البحث تحتاج إلى عمل إضافي لإزالتها قبل بدء هذه العمليات؟.

بطبيعة الحال، كثرة الفاعلين ليست أمرًا جيدًا أو سيئًا بحد ذاته، لأن التحدي الأساسي يكمن في الفاعلية لا في العدد. وأول شروط الفاعلية أن يكون هؤلاء الفاعلين قادرين على العمل في سورية، وهذا غير متوفر رسميًا حاليًا. فالهيئتان الوطنيتان لا تزالان قيد البناء، والآليات الدولية لم يُعترف بصلاحياتها رسميًا بعد، وإن أنجز كل منها بعض الأنشطة مؤخرًا في سورية بحكم تسهيل الحكومة السورية الجديدة وحاجتها هي لدور “لجنة التحقيق الدولية” مثلًا. كما أن فاعلية هؤلاء الفاعلين تتطلب أن يكونوا متوافقين في ما بينهم على أجندة شاملة واحدة وعلى أدوار مرسومة بشكل واضح، ومتكاملة في ما بينهم دون تعارض أو تناقض أو تنافس أو صراع، وأن ينفذوا الجوانب العملية من اختصاصاتهم المتطابقة بتنسيق وتعاون وتكامل في ما بينهم، وهذا أيضًا غير قائم حتى الآن. يُضاف إلى ذلك ضرورة أن ينجح هؤلاء الفاعلين في إنشاء علاقات إستراتيجية مُستدامة ومبنية على تفاعل حقيقي وشفاف مع مجتمع الضحايا، لا مجرد احتوائه أو الاستثمار في رمزيته في صراعاتهم البينية. إن العلاقة السليمة والنشطة في الاتجاهين بين مجتمع الضحايا وهذه الهيئات والمؤسسات هي ما يمكن أن يُترجم مركزية دور الضحايا.

ثاني الأسئلة:

هل سيكون لدينا في سورية عملية بحث شاملة وغير تمييزية عن كل المفقودين بغض النظر عن أنسابهم القومية والدينية والمذهبية والمناطقية ومواقفهم السياسية قبل إخفائهم أو خطفهم، وبغض النظر عن الطرف الخاطف أو المسؤول عن الإخفاء، وبغض النظر عن موقف هذا الطرف من المفقود قبل التغير السياسي في سورية صباح 8 كانون الأول 2024 وبعده؟. أم أن عمليات البحث ستخضع لمعايير وأولويات وتفضيلات سياسية لهذا الطرف أو ذاك؟ أو ستخضع لتفاهمات ضمنية بين هذا الفاعل أو ذاك؟

المأمول بطبيعة الحال أن تكون عمليات البحث وكشف المصير، وتحديد أماكن التواجد شاملة وغير تمييزية؛ وواقع الحال أن لا أحدًا يملك سلفًا إجابة قاطعة على هذا السؤال تحديدًا. لكن ثمة احتمالات أن لا تخضع مسارات مُحاسبة الُمنتهكين لمعايير موحدة إذا لم يتجاوز قانون العدالة الانتقالية الخلل في نص المرسوم رقم (20)/2025. الخلل الذي يفتح الباب أمام التمييز عبر إلقاء عبء إثبات الانتهاك على عاتق المُدعي، والذي تؤسس له عبارة الجرائم “التي تسبب بها نظام الأسد”. العبارة التي تفتح الباب بدورها أم الاستنساب والتحليل والتأويل. كما يُرجح أن تتقدم حاجة الفاعلين الأمميين والدوليين إلى الاعتراف بصلاحياتهم من جانب الحكومة السورية الجديدة على مبدأ الشمولية وعدم التمييز. وهذا يستدعي دورًا يقظًا من جانب مجتمع الضحايا السوري، المُكوَّن من حملة الحق الشخصي. دورٌ يُعاد بنائه وتطويره مع كل تغير حاصل في سياسات الفاعلين الوطنيين والأمميين والدوليين.

المحرر