في الآونة الأخيرة هيأت مؤسسات إعلامية دولية ولبنانية، وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني السورية، لإطلاق ما بدا خبطة صحفية كبيرة. تعتمد هذه الخبطة الصحفية على نشر تحقيقات استقصائية عن أعمال التعذيب، والقتل تحت التعذيب وغيرها من الجرائم في سجون نظام الأسد المُنحل بالاستناد إلى نحو 70000 وثيقة ومُستند أُخذت من مقرات أجهزة أمنية ومؤسسات حكومية سورية أخرى بعد تفكك أجهزة ومؤسسات النظام السابق لحظة سقوطه، وما تلاه من فوضى وارتباك.

كلنا يذكر تلك الأيام حيث تحولت أبنية ومقرات، وحتى سجون النظام البائد إلى محج لعشرات الآلاف من أفراد أسر المعتقلين والمفقودين في سجون الأسد يبحثون عن أية إشارة، أية معلومة عن عزيز اعتقله النظام، وانقطعت أخباره عن أسرته لسنوات طويلة. أمهات وزوجات وآباء وأبناء يبحثون عن قصاصة ورق أو بطاقة هوية أو قرار إحالة أو خلاصة حكم لعلهم يعرفون ما حل بالحبيب الغائب؛ حي هو أم رحل؟ وأين هو إن كان حيًا، أو أين دُفن جُثمانه إن كان قضى؟.

لكن لم يكن أهالي المُعتقلين والمفقودين وحدهم مَنْ يبحث ويتحرى في هذه المقرات، لم يكونوا وحدهم من ينبش في هذه الملفات والمُستندات في مقرات الأجهزة الأمنية وباحات السجون، بل كان هناك مجموعات مُنظمة لا تستهدف معرفة مصائر المفقودين بقدر ما تُفكر وتخطط لتحويل هذه الملفات والوثائق إلى مشاريع لجلب التمويلات، أو نيل الشهرة، أو بناء علاقات مفيدة. هذه المجموعات جمعت آلاف الوثائق والملفات، منها هذه الـ70000 وثيقة التي عملت على تحويلها إلى خبطة صحفية مشبوهة وفي غير أوانها.

بطبيعة هذه هي ليست المرة الأولى التي تقوم مجموعات من هذا النوع بجمع وثائق رسمية قد تلعب دور محوري في كشف الحقيقة ومعرفة مصائر المفقودين ومحاسبة المسؤولين وإنما سبقتها مجموعات أخرى حصلت على وثائق متعلقة بتنظيم “داعش” والمخفيين على يده، واستخدمتها بغرض جلب التمويلات والظهور الإعلامي. تثير هذه الأفعال أسئلة كبيرة قانونية وحقوقية وأخلاقية.

 أولاً: هل يحق لصائدي هذه الوثائق أن يجمعوها أصلًا، وبغض النظر عن أهدافهم منها؟

لا يحق لهؤلاء أن يجمعوا هذه الوثاق من حيث الأساس، ولا يحق لهم التعامل معها على أنها لُقى لا صاحب لها. ففي سورية، وبوجه خاص بعد انهيار النظام السابق، يجب وضع كل الوثائق والمُستندات المتعلقة بالأجهزة الأمنية ومعتقلاتها والسجون تحت تصرف برنامج وطني شامل للعدالة الانتقالية. لأن هذه الوثاق تحوي الكثير من المعلومات المتعلقة بالحق العام وحقوق أُسر المفقودين، ولا يجوز لأي طرف كان أن يعتدي على هذه الحقوق أو يتصرف بها لمنافعه الشخصية. كما أن انتهاء النظام السابق يلغي الحاجة إلى فضحه وكشف جرائمه وإدانته على أساس هذه الوثائق والمستندات. فالنظام سقط وتحلل، وما بقي من آثاره من مستندات وشهادات ووثائق يجب أن تُعامل معاملة الأدلة في مسار كشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين لا مجرد أوراق تُستغل في الاستعراضات الإعلامية وجذب التمويلات الملوثة.

 ثانيًا: ألا يعيق جمعهم هذه الوثائق بهذه الطريقة مساري كشف المصير والمحاسبة؟

جمع الأوراق الرسمية والوثاق يعيق المؤسسات الرسمية، الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بوجه خاص، عن أخذ دورها الطبيعي في بناء قاعدة بيانات مركزية وموحدة تشمل كل المعلومات المرتبطة بهذه الوثائق وما تشمله من معلومات تتعلق بالمفقودين من جهة وبالمنتهكين من جهة أخرى. وكذلك فإن جمع هذه الوثائق يحجب عن الأُسر معلومات عن أحبتها ربما إلى الأبد، إذ لا يُتاح لكل أسر المفقودين أن تقرأ تحليلات ووثائق منشورة خارج البلاد أو موضوعة للعرض في متاحف إلكترونية، أو أن تزور معارض تُعامل هذه الوثائق بوصفها تُحف من زمن ماض، في حين لا تزال الأمهات والآباء والأبناء ينتظرون خبرًا عن مُغيب.  كما لا يُقبل أخلاقيًا ووجدانيًا، وليس عادلًا، أن يمتلك أشخاص معلومات ووثائق عن مصير مفقود ما في حين أن أسرة هذا المفقود لا تملك أو تعرف هذه المعلومات عنه.

ثالثًا: ألا يهدر جمع الوثائق واستثمارها في أغراض تمويلية وإعلامية القيمة القانونية لهذه الوثائق ؟

نعم، تفقد الوثاق والمُستندات قيمتها القانونية إذا لم تخضع لسلسلة موثقة وموثوقة للحيازات القانونية. وسلسلة الحيازة هذه تشبه سلسلة النسب. إذا لا يمكن إثبات نسب أي شخص دون معرفة أباه وجده وجد أبيه إلى آخر سلسلة النسب العائلي. القضاء لا يقبل بأية وثائق أو مُستندات ما لم يتحقق من تسلسل حيازتها من أجل ضمان صدقيتها وأصالتها ضد احتمالات التدليس والتزوير والتزييف.

وفي الأحوال كافة

فإن تعامل هذه المؤسسات الإعلامية، ومَن معها من منظمات مجتمع مدني، الانتهازي والتجاري مع مستندات ووثائق رسمية يأتي في جزء منه بسبب غياب دور مؤسسات ووزارات الدولة في مرحلة ما بعد 8 كانون الأول 2024. لذلك، فإن مسؤولية استعادة هذه الوثائق الرسمية وجمع ما تناثر منها في أيدي الأفراد والمنظمات الأخرى هي مسؤولية هذه المؤسسات والوزارات، وبوجه خاص وزارة العدل والهيئتين الوطنيتين للمفقودين والعدالة الانتقالية. وعلى عاتق هذه المؤسسات الوطنية تقع مسؤولية بناء قاعدة بيانات مركزية شاملة تتضمن كل المعلومات المتعلقة بالمفقودين وغيرهم من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في سورية تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة البحث عن المفقودين وملاحقة المُنتهكين.

وواجب أُسر المفقودين أن تواصل الضغط ورفع الصوت

ضد أي شكل من أشكال الإتجار بالمعلومات والوثائق والمستندات والشهادات ذات الصلة بانتهاكات حقوق الإنسان، وأن تعمل من أجل حماية هذا الإرث الضخم من الورقيات بوصفه أدلة ومؤشرات ومفاتيح على الحقيقة المغيبة وأدوات لمحاسبة المجرمين.

هبة الحامض