يقدّم هذا المقال قراءة تحليلية لتجربة الفقدان الغامض في السياق السوري، من خلال الجمع بين السرد الذاتي، والمرافقة النفسية–الاجتماعية للنساء السوريات اللواتي فقدن أحبتهن في ظروف العنف والحرب والنزوح، والإطار النظري لمفهوم Ambiguous Loss  كما طوّرته الباحثة باولين بوس Pauline Boss.

ينطلق المقال من تجربة شخصية مرتبطة بإخفاء والدي قسرًا في سجن تدمر، بوصفها مدخلًا لفهم ظاهرة أوسع لا تزال تطبع حياة آلاف العائلات السورية. فالفقدان الغامض في سورية لم يعد حدثا فرديًا، بل تحوّل إلى بنية مستمرة من العنف النفسي والاجتماعي، وإلى ذاكرة جماعية معلّقة بين الأمل والحزن، وبين الانتظار والغياب.

الفقدان الغامض: المفهوم والسياق السوري

يُعرَّف الفقدان الغامض بأنه ذلك “النوع من الفقدان الذي يغيب فيه اليقين حول مصير الشخص المفقود، فلا يتوافر دليل على الحياة أو الموت، ولا تتوافر طقوس حداد مكتملة أو نهاية واضحة للفقد”.

وفق بولين بوس، يتميّز هذا النوع من الفقد بثلاثة عناصر رئيسية:

  1.  غياب الجسد أو غياب موضعه: إذ لا جسد يُودَّع، ولا قبر يُزار، ولا موقع يُغلق عليه الحزن.
  2.  غياب المعرفة بالمصير: إذ يبقى السؤال مفتوحا: هل هو حي؟ هل مات؟ أين ومتى؟
  3.  حزن معلّق وأمل مستمر: يتعايش الحزن مع الأمل في آن واحد، ما يعيق اكتمال عملية الحداد.

في سورية، يتجسّد الفقدان الغامض عبر أنماط متعددة، منها الخطف، والاختفاء القسري، والإخفاء في مراكز الاحتجاز دون توفير معلومات، والإعدامات غير الموثقة، وفقدان الأحباء أثناء النزوح والهجرة القسرية. هذه الأنماط لا تنتج غيابًا لجسد المفقود فحسب، بل تولّد حالة طويلة الأمد من التوتر النفسي والاجتماعي، يعيشها الأفراد والعائلات دون أفق زمني واضح لنهايتها.

التجربة الشخصية: الغياب الذي شكّل الحياة

لم يكن اختفاء والدي في سجون تدمر حدثا عابرا في حياتي، بل تحوّل إلى خيط خفي نُسجت حوله طفولتي وشبابي ومساري الإنساني والمهني. لم أحصل يوما على إجابة عن السؤال البسيط: أين هو؟

كنت أقف إلى جانب جدّتي، أمسك بذيل ثوبها الريفي، في صحراء تدمر، منذ الفجر حتى المغيب، ننتظر لساعات طويلة لنطرح سؤالا واحدا فقط. وكان الجواب دائما: لا شيء. كانت جدّتي تُضرب عن الطعام وتقول: “لن آكل… لأن جمعة لا يأكل”.

لم يكن هذا حدادًا تقليديًا، بل تعبيرا جسديًا عن الفقدان الغامض. عن محاولة للحفاظ على صلة مع الغائب الذي لم يُعلن موته ولم يُؤكَّد بقاؤه. هذا السلوك يجسّد ما تصفه بولين بوس بـالحداد المعلّق، حيث يتحوّل الجسد نفسه إلى مساحة مقاومة للغياب غير المحسوم.

بحثنا معها في بيوت الخارجين من السجون، تحمل صورته بيد مرتجفة، تسألهم إن كانوا قد رأوه أو التقوه. كنا نعود في كل مرة بخيبة جديدة، لكن الأمل، رغم هشاشته، لم ينكسر.

هذه التجربة لم تكن استثناء، بل نموذجا مكثفا لما تعيشه اليوم آلاف العائلات السورية.

مرافقة النساء السوريات: الفقدان الغامض كخبرة متوارثة

من خلال عملي الحالي في مرافقة النساء السوريات اللواتي فقدن أزواجهن أو أبناءهن أو إخوتهن، يتكرّر أمامي المشهد ذاته بأشكال مختلفة. الفقدان الغامض لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يمتد عبر الزمن ويعيد إنتاج نفسه داخل الأسرة والمجتمع.

يظهر الفقدان في السياق السوري بأربعة أنماط:

  1.  الاختفاء القسري على يد النظام السوري: اعتقالات تعسفية، إخفاء ممنهج، وحرمان متعمّد للعائلات من أي معلومة عن المصير.
  2.  الاختفاء على يد تنظيم داعش وفصائل مسلّحة أخرى: اختطاف، محاكمات صورية، إعدامات سرية، وإطلاق سراح انتقائي يعمّق الغموض.
  3.  الاختفاء أثناء النزوح والهجرة القسرية: الموت دون توثيق، وضياع الجثث في الطرقات والبحار.
  4.  فقدان أطفال المعتقلين والمعتقلات والمختطفين والمختطفات: أطفال خُطفوا أو اُعتقلوا مع آبائهم وأمهاتهم انقطعت أخبار بانقطاع أخبار آبائهم.

تعيش النساء في هذه السياقات حزنًا لا نهاية له؛ وأملا بلا ضمانة، وحدادا بلا طقوس. حياتهن معلّقة بين الانتظار واليأس، تماما مثلما كانت حياة جدّتي.

الفقدان الغامض: ظاهرة مجتمعية في سورية

في سورية، لم يعد الفقدان الغامض تجربة فردية، بل تحوّل إلى ظاهرة مجتمعية ذات آثار متراكمة:

  1.  صدمات متوارثة عبر الأجيال: الأطفال الذين ينشأون في بيئات يسودها الفقدان الغامض يطوّرون شعورا دائما بعدم الأمان، ويكبرون في ظل حزن غير مكتمل ينتقل من جيل إلى جيل.
  2.  تعطّل الحداد والمؤسسات الاجتماعية: غياب رفاة المفقود، وغياب الطقوس التقليدية للحداد يعيق عمليات التكيّف النفسي، ويترك أثرا طويل الأمد على بنية الأسرة وعلاقاتها الاجتماعية البينية.
  3.  تأثير عميق على الهوية والانتماء: يتشكّل وعي جماعي قائم على الانتظار والخوف والغموض، ما يضعف الإحساس بالاستقرار ويقوّض الثقة بالمستقبل.

في سياق تشير فيه تقارير حقوقية إلى عشرات الآلاف من حالات الإخفاء القسري، يتحوّل الفقدان الغامض إلى أداة عنف مستدامة، تتجاوز الفرد لتصيب المجتمع بأكمله.

الفقدان الغامض: الآثار النفسية والاجتماعية

يخلّف الفقدان الغامض آثارا متداخلة على مستويات متعددة:

  1.  على الفرد: قلق مزمن، اكتئاب، شعور بالذنب، وحزن معلّق.
  2.  على الأسرة: تعطّل الأدوار، توتر العلاقات، وصراع داخلي بين الأمل واليأس.
  3.  على المجتمع:حداد جماعي غير معترف به، خوف دائم، وغياب العدالة.

تؤكّد بولين بوس أن التعامل مع هذا النوع من الفقدان لا يقوم على “الحسم”، بل على تعلّم العيش مع الغموض، شرط ألا يتحوّل هذا الغموض إلى أداة إنكار أو إفلات من المساءلة.

نحو الحقيقة والاعتراف والمحاسبة:

من خلال تجربتي الشخصية ومرافقتي للنساء، تبيّن لي أن التعافي لا يبدأ بالنسيان، بل عبر مسارات واضحة تتمثل في:

  1. 1 معرفة المصير: الحق في الحقيقة هو حق أساسي، ومعرفة مصير المفقودين شرط أولي لأي تعاف فردي أو جماعي.
  2. 2 الاعتراف بالمعاناة: رفع الوصمة عن عائلات المفقودين، والاعتراف بهم بوصفهم ضحايا مباشرين لانتهاكات جسيمة.
  3. 3 المحاسبة القانونية: اعتبار الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، والعمل على ملاحقة مرتكبيها وفق آليات العدالة الوطنية والدولية.

بهذه الخطوات، يمكن تحويل الفقدان الغامض من جريمة صامتة إلى قضية حقوقية، ومن جرح مفتوح إلى مسار كرامة وعدالة.

كلمة أخيرة:

الفقدان الغامض ليس مجرد غياب جسدي، بل غياب اليقين، وغياب العدالة، وغياب الاعتراف. في سورية، تعيش آلاف النساء هذا الفقدان يوميًا. يواجهن الغموض ذاته الذي واجهته جدّتي وواجهته أنا. إن الطريق نحو التعافي الفردي والجماعي يبدأ بالاعتراف، ومعرفة المصير، والمحاسبة، ليصبح الفقدان الغامض جزءا من تاريخ شفاف يمكن التعامل معه، لا صدمة متوارثة تُورَّث عبر الأجيال.

شاهيناز عبد الغفور