تتابع روابط ميثاق الحقيقة والعدالة بقلق ما يُنشر من أخبار عن نية الحكومة السورية الانتقاليّة تحويل مطار المزّة العسكري إلى مطار مدني يُخدِّم الطيران الخاص.
تنحفر في ذاكرة السوريين كافة الكثيرُ من القصص والمرويات والشهادات عن الأهوال التي جرت داخل هذا “المطار”. المطار الذي يحتوي عدد من الكتل المعمارية التي وظفتها المخابرات الجوية كمراكز اعتقال وتعذيب وتصفية طوال سنوات الثورة، ويعرفون جيدًا أن ثمة شهادات تفيد بوجود مقابر جماعية داخل حرمه، إضافة إلى أن نظام الأسد استخدم المطار لإقلاع وهبوط طائرات قصفت قرى وبلدات في ريف دمشق الغربي. لهذا كله فإن مطار المزَّة العسكري، وغيره كثير من المنشآت العامة، لا يزال مسرحًا لانتهاكات وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لمّا تُكشف ولمّا يُحاسب مرتكبيها بعد. تاليًا فإن التصرف بهذه المُنشآت على هذا النحو يُصادر حقوق السوريين في معرفة الحقيقة، وفي توفير أدلة تخدم مسارات المُحاسبة والمُساءلة.
إن وظيفة ورمزية مطار المزة وارتباطه بآلام آلاف السوريين والسوريات في زمن النظام السابق، وحاجة الأُسر السورية إلى أجوبة عن مصائر أحبتها المفقودين، يوجبان تعاملًا أكثر مسؤولية وحساسية تجاه هذا الموقع. فقد أملنا أن تُراعي السلطات الحالية خصوصية التعامل مع المنشآت العامة بدلالة وظائفها السابقة، وأن تُخضعها لاعتبارات وأولويات العدالة الانتقالية والكشف عن مصائر المفقودين كما يخلق ببلد خرج لتوه من صراع مديد لا تزال جراح شعبه مفتوحة راعفة. كما انتظرنا أن تُقدِّم السلطات السورية الانتقاليّة العدالة وحقوق السوريين على استثمارات تجار الحرب مِمَنْ أثروا بدماء السوريين ومنها؛ فاستبدال طبيعة ووظيفة هذا الموقع وغيره، بكل ما رمز إليه في عقول السوريين ولعقود طويلة من رعب وقهر وتغييب، لصالح حفنة من مالكي الطائرات الخاصة يستهين ويهين تضحيات ملايين السوريين وآلامهم وينشر بينهم اليأس من قدوم زمن العدالة وسيادة القانون.
إننا في روابط ميثاق الحقيقة والعدالة نستهجن مثل هذه الطروحات، ونرفض رفضًا قاطعًا التصرف الأحادي بممتلكات الدولة عامة، وتلك التي لها صلة بمسارات العدالة الانتقاليّة خاصة، قبل استنفاد فرص معرفة ما تحتويه هذه المواقع من وأدلة ووثائق تتصل بمصائر مَنْ اُعتقلوا وعُذبوا وصُفوا في هذا المسلخ البشري. ولسان حالنا يقول: “أين كان أصحاب هذه الطروحات خلال الأربع عشر سنة الماضية؟”.
تُطالب روابط ميثاق الحقيقة والعدالة الحكومة السورية الانتقالية ببناء سياسات رشيدة لا تضع إعادة إعمار الحجر في صدام مع حقوق السوريين ومع حاجاتهم إلى تصفية تركة الماضي وإلى بناء دولة تحترم كراماتهم وحقوقهم وذاكرتهم. كما تهيب روابطنا بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقاليّة والهيئة الوطنية للمفقودين أن تتوليا مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية في حماية مسارح الجريمة هذه من الاستغلال الجائر للمنشآت العامة الذي لا يرى فيها أكثر من فرص استثماريّة مُربحة تجعل أثرياء الحرب أشد تغولًا، وفقراء سورية أكثر عوزًا في معاشهم وفي حقوقهم.
ميثاق الحقيقة والعدالة
دمشق 05/09/2026