السيدة ياسمين المشعان هي رئيسة رابطة قيصر . فقدتْ خمس من أخوتها أثناء الثورة، أربعة منهم على يد نظام الأسد البائد، وواحد على يد تنظيم داعش. تشرح السيدة ياسمين في هذه المادة تجربتها في تلقي الدعم النفسي وضرورة حصول أفراد أُسر المفقودين على مثل هذه المُساعدة من أجل تعزيز قدراتهم في مواجهة نتائج الفقد المؤلمة.
منذ أسابيع، وجدت نفسي جالسة في مكتب الشرطة هنا في برلين، لا بوصفي ناشطة أو ممثلة لعائلات الضحايا، بل بوصفي مدعية. مُدعية أدعي بأقوالي على مجموعة من المسؤولين المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. هؤلاء المتهمين كانوا سببًا مباشرًا في حرماني من إخوتي. كنت أُحضِّر لهذه اللحظة منذ سنوات؛ أتخيلها وأتدرب عليها. أعيد سرد قصتي في مناسبات مختلفة أثناء نضالنا من أجل قضية المخفيين قسرًا.
شيئٌ ما كان مختلفًا هذه المرة. شعرتُ أنني أروي قصة فقد أخوتي للمرة الأولى. دخلت الغرفة رفقة محاميتي، يُحيطني إطار قانوني منظم، لكن دون أي دعم نفسي يصحبني في هذه اللحظة التي تُكثِّف أثقالًا باهظة تتنكبها عائلتي وتغص بها ذاكرتنا وتُختزل بها معاناتنا. لم أعرف طعم النوم طوال الليلتين السابقتين على هذه اللحظة. في قلبي يتداخل القلق الحاد بالحماس الشديد. فأفكر بيني وبين نفسي: لعلها لحظة فاصلة في مسار العدالة لي أنا شقيقة أشقائي المُغيبين، العدالة لعائلتي التي عرفت طعم الفقدان المر وما تلاه من شتات.
حين بدأتُ أسرد، ارتعشتْ يداي، تسارعت دقات قلبي. فكأن جسدي يفضح ما يحاول عقلي ضبطه. جلستُ أمام المحقق كمَنْ تُشاهدُ فيلمًا سورياليًا شاركتْ في كتابته وفي تجسيده في الوقت نفسه. أحاول أن أحكي التفاصيل بدقة قانونية، وأن أحمي نفسي من الغرق مجددًا في مشاهد الرعب والقهر ذاتها. كنتُ أحاول أن أروي القصة كمَنْ تصف مشهدًا رأته، لا كمن تُعيد عيشه، في محاولة يائسة لإبقاء المسافة بيني وبين الألم.
عند هذه النقطة بالذات، أدركت بوضوح أن وجود محامٍ بجانبي لا يكفي، وأن غياب الدعم النفسي المتخصص لا يترك أثره السلبي المؤلم عليّ كضحية وحسب، بل يمكن أن يؤثر على مسار التحقيق نفسه: يمكن أن يُفقدني قدرتي على التركيز، يُمكن أن يُفقد روايتي تماسكها، يمكن أن يُضعف استعدادي للعودة مرة أخرى للإدلاء بالمزيد من المعلومات.
على مدار الأعوام الأربعة عشرة السابقة، تحول معظم السوريين من طُلاب حياة آمنة وحرة وكريمة إلى مجتمع يُثقل عليه الدمار والفقدان والتهجير. ومع هذا الخسران الرهيب وُلد احتياج هائل إلى الدعم النفسي–الاجتماعي. دعمٌ يتجاوز النموذج التقليدي للدعم النفسي الذي يُقدَّم عادة في إطار المساعدة الإنسانية. إذ لم تعد المعاناة، خلال هذه السنوات، مجرد أرقام في تقارير أو ملفات في محاكم، بل تجسدت في أجساد و نفوس وذاكرات أجيال كاملة كبرت في ظل التهديد اليومي والخوف والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري والنزوح المتكرر.
هذه الآلام هي ما يجعل السؤال عن كيفية مواجهة التأثيرات النفسية والاجتماعية الناتجة عن هذه التجارب جزءًا لا ينفصل عن أي نقاش حول العدالة والمساءلة. لقد أدركتُ من خلال تجربتي مدى عمق الأثر النفسي الذي يمكن أن تخلّفه الحروب والانتهاكات والتهجير، حتى على من يظنون أنفسهم قادرين على التحمّل. لم أكن أتخيّل أن فقداني لإخوتي وتهجيري القسري وخروجي من سوريا يمكن أن يترك في داخلي كل هذا القدر من الآثار الموجعة والموهِنة. كان الضرر النفسي غير مرئي، أشبه ببركانٍ صامتٍ في داخلي انعكس على صحتي الجسدية، في وقتٍ لم تستطع التفسيرات الطبية تقديم أي سبب واضح لتدهور حالتي الصحية.
عندما اقترح عليّ الطبيب الاستعانة بالدعم النفسي، وجدت نفسي مترددة جدًا. لم يكن السبب خجلًا من الوصمة الاجتماعية، أو عدم القدرة على تحمل تكاليف الاستشارة النفسية، بل شعور دفين بأنني قوية، وبأن طلب المساعدة النفسية نوع من الرفاه غير المبرر. فكيف أُبرّر لنفسي حصولي على دعمٍ نفسي، بينما السوريات في سورية وبلدان اللجوء يواجهن الفقر والجوع والموت اليومي فيما يواصلن كفاحهن المُضني من أجل مجرد البقاء؟ كان ذلك الإحساس بالذنب يثقل عليَّ، ويؤدي بي إلى مزيدٍ من التراجع في صحتي النفسية والجسدية.
تطلب الأمر مني أربع سنواتٍ كاملة بعد وصولي إلى ألمانيا لاتخاذ قرار اللجوء إلى الدعم النفسي، مدفوعةً بتشجيع من أصدقائي المقربين ورفاقي في رحلة النضال من أجل الحقيقة والعدالة الذين ذكّروني بأن رعاية النفس ليست رفاهية، بل هي ضرورة للحياة والاستمرار. لقد كانت تلك الخطوة نقطة تحوّل في مسيرتي، وأحد أهم الدروس التي تعلمتها في رحلتي مع التعافي وإعادة بناء الذات بعد سنواتٍ من الفقد والمعاناة. صحيح أن الانخراط كليًا في نضال منظم من أجل العدالة كان جزء من تعافيي، ولكنه لم يكن كافيًا وحده. فقد كنتُ بحاجة إلى مواجهة الألم الداخلي وتحويله إلى قوة دافعة منتجة بدل بقائه داخلي كالسم ينهش جسدي.