ربما يمكن لقضية المفقودين في سورية أن تكون، من الآن فصاعدًا، المعيار الأهم لنجاح مسارات العدالة الانتقالية. بمعنى أن يكون كشف مصائر المفقودين، أحياءً كانوا أم أمواتًا، وأماكن وجودهم في الحالين، المؤشر الأهم إلى إحراز تقدم جدي في ترجمة الحق في الحقيقة. لا يعني ذلك أن ملف المفقودين أهم من بقية الملفات الحقوقية، بل يعني أنه يكشف مدى جدية عملية العدالة الانتقالية في معالجة إرث الماضي. هذا لأن الخطف والإخفاء القسري في سورية انتهاكٌ مُركّب في معظم الأحوال، إن لم يكن في كلها. تاليًا، فإن النجاح في معالجته بفعالية، وضمن إطار زمني معقول، وبمشاركة جدية من أُسر المفقودين، يعني نجاح عملية العدالة الانتقالية بمساراتها المتعددة برمتها.

الخطف والإخفاء القسري في سورية خلال سنوات الثورة والصراع ترافق بانتهاك آخر على الأقل، في بعض الأحيان. بينما ترافق بانتهاكات أكثر عددًا في معظم الحالات؛ ولهذا يُسمى “انتهاكًا مُركبًا”. فمعظم ما وُثق من حالات فقد في سورية هي، في الأصل وفي الآن ذاته، حالات خطف واعتقال تعسفي تترافق بإخفاء المعلومات المفقود عن أسرته، و/أو التعذيب، و/أو القتل تحت التعذيب، و/أو الاعتداءات ذات الطابع الجنسي، و/أو القتل دون محاكمة، و/أو القتل بإجراءات قضائية موجزة. كما ترافق معظمها، إن لم يكن كلها، مع التهجير، و/أو الاستيلاء على الممتلكات، و/أو الابتزاز المالي والجنسي لأُسر المفقودين، بل ترافق بعضها باستخدام ممنهج لأسلحة الدمار الشامل، مثل استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطتين وفي خان شيخون لاحقًا.

يُضاف إلى ذلك أن ملف المفقودين يتصل، ويتداخل مع ملف محاسبة المنتهكين، ومُرتكبي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية من جانب أول. ويتشابك من جانب ثانٍ بمسائل جبر الضرر وبناء سردية وطنية شاملة، ومتوافق عليها بين السوريين كافة. هذه السردية التي يُنتظر منها أن تشرح وتُعلقن ما جرى للمفقودين، كل المفقودين دون تمييز، في إطار كلي يُفصِّل ويُفسِّر ما جرى في البلاد خلال الثورة والصراع، وأن تربط كل ذلك بمسارات العدالة الانتقالية؛ هذه المسارات التي يجب أن تصب نهاياتها القصوى في إصلاح دستوري ومؤسساتي يُعلي من سيادة القانون، ويمنع تكرار الانتهاكات والفظائع في سورية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الانتهاك الناجم عن الخطف والإخفاء القسري لا يطال الضحية المباشرة وحدها، أي المختطف أو المخفي قسرًا نفسه، بل أن عقابيله تؤثر سلبًا على أفراد أسرة المفقود جميعًا. فأهل المفقود يُعانون من تبعات فقد أحد أحبتهم: إذ تتشوش أحوالهم الشخصية من سفر وتنقل وعمل وتعليم وزواج وطلاق وأرث بفعل أوضاعهم القانونية والإدارية غير المبتوتة. كما يشل الفقدان الغامض، الناتج عن عدم معرفتهم بمصير مفقودهم، تفكيرهم، ويُعطِّل سلوكهم، ويُعكِّر علاقاتهم الاجتماعية البينية السليمة والصحية، لأنهم في حالة دائمة من الترقب وانعدام اليقين والتنازع.

إن بقاء مصائر أكثر من 175.000 مفقودًا سوريًّا معلقٌ دون إجابات، يعني إبقاء ملايين السوريين من أُسر المفقودين في حال من المعاناة، والشلل، وتعطل أحوالهم المدنية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية. في حين أن البدء في توفير إجابات عن مصائر المفقودين يخرج هذه الأُسر من دائرة الانتظار والقلق والغضب، ويضبط ويُعقلن توقعاتها وآمالها، ويُتيح لها السبيل أمام إعادة ترتيب حياتها وفق ما يُقدم لها من حقائق ووقائع.

هذا يتطلب خطة استراتيجية تتضمن خريطة عمل واضحة. خريطة عمل تحدد متى ومَنْ وكيف، أي تحدد الأُطر الزمنية لعمليات البحث وأدوار الفاعلين المشاركين في عمليات البحث، والطرق المُستخدمة في عمليات البحث هذه. خريطة تنطلق من أسئلة محددة: متى تبدأ عمليات البحث؟ ومن يقوم بها وفي أي وقت تبدأ ومتى تنتهي؟ وبأي أدوات ومناهج وأساليب يقوم بها؟ ضمن هذه الخريطة يجب أن تتوضح دون لبس أدوار كل من الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمؤسسات والوزارات ذات الصلة من جانب، كما يتوضح فيها دور مجتمع الضحايا، المؤلف من أُسر المفقودين، بطريقة تجلي الغموض وتشجع على المضي قدمًا في مسار واضح ومستنير.

بناء هذه الخطة الاستراتيجية، وما تشمله من مخطط زمني مضبوط، يتطلب تحركًا مُستدامًا من جانب الهيئتين نحو مجتمع الضحايا عامة، ومجتمع ضحايا الفقدان الغامض بوجه خاص. تحركٌ يستلزم فتح أقنية تواصل مُتاحة دائمًا ومرنة ومُيسرَة لكل المُستفيدين وفي الاتجاهين، مع أُسر المفقودين داخل سورية وخارجها. يجب أن تعمل أقنية التواصل هذه بوصفها نافذة واحدة توفر معلومات دقيقة ومؤكدة تغني أُسر المفقودين عن البحث والسؤال في مواضع أخرى، وكذلك يجب أن تُكرَّس أقنية التواصل هذه لمتابعة الخريطة الزمنية لعمليات البحث وأماكنها ونتائجها أول بأول.

إن معالجة قضية المفقودين ضمن زمن اجتماعي معقول، أي، الزمن الذي تُطالب أُسر المفقودين خلاله بتوفير إجابات عن مصائر أحبتها “على حياة عينها”، تمثل تحديًا كبيرًا أمام السوريين عامة. وكذلك تمنح العدالة الانتقالية البعد المجتمعي اللازم لجعلها انتقالًا فعليًا وآمنًا نحو مستقبل يسوده القانون، ويخلو من الخطف والإخفاء القسري وغيرهما من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

التحرير